الشيخ محمد هادي معرفة

202

تلخيص التمهيد

سرادقها في أفنية ضمائرهم . فكما يلوح لهم إشارته كان المشار إليه مقدّماً ، وكما يرد عليهم أمره كان المأمور به متمّماً ، لا تلقى لإشارته بغير الإمضاء والانقياد ، ولا لأمره بغير الإذعان والامتثال . ثم بنى على تشبيه هذا نظم الكلام ، فقال - جلّ وعلا - : « قيل » على سبيل المجاز عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل ، وجعَلَ قرينة المجاز الخطاب للجماد ، وهو « يا أرض » و « يا سماء » ، ثم قال - كما ترى - « يا أرض . . . ويا سماء » مخاطباً لهما على سبيل الاستعارة للشبه المذكور . ثم استعار لغؤور الماء في الأَرض « البلع » الذي هو إعمال الجاذبة في المطعوم ، للشبه بينهما وهو الذهاب إلى مقرّ خفي . ثم استعار « الماء » للغذاء استعارة بالكناية ، تشبيهاً له بالغذاء ، لتقوّي الأرض بالماء في الإنبات للزروع والأشجار ، تقوّي الآكل للطعام . وجعل قرينة الاستعارة لفظة « ابلعي » لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء . ثم أمر - على سبيل الاستعارة للشبه المقدّم ذكره - وخاطب في الأمر ترشيحاً لاستعارة النداء . ثمّ قال : « ماءك » بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز ، تشبيهاً لاتّصال الماء بالأَرض باتّصال الملك بالمالك . واختار ضمير الخطاب لأجل الترشيح . ثم اختار لاحتباس المطر « الإقلاع » الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان . ثم أمر على سبيل الاستعارة وخاطب في الأمر قائلًا « أقلعي » لمثل ما تقدّم في « ابلعي » . ثم قال : « وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً . . . » فلم يصرّح بمن غاض الماء ، ولا بمن قضى الأمر ، وسوّى السفينة ، وقال بُعداً ، كما لم يصرّح بقائل « يا أرض » و « يا سماء » في صدر الآية ، سلوكاً في كلّ واحد من ذلك لسبيل الكناية . إنّ تلك الأمور العظام لا تتأتى إلّامن ذي قدرة يكتنه قهّار لا يغالب . فلا مجال لذهاب الوهم إلى أن يكون غيره - جلّت عظمته - قائل « يا أرضُ ويا سماء » ولا غائض مثل ما